السيد علي الحسيني الميلاني

53

نفحات الأزهار

والغزارة بحيث لو أخذ منه أهل العالم كلهم أجمعون لوسعهم من غير أن تنفد علومه ، وأنى كان للكوفة وأهلها أن يسعوا غالب علمه عليه السلام وهو القائل على منبر الكوفة : " سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنما بين الجوانح مني علم جم ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا ما زقني رسول الله صلى الله عليه وآله زقا من غير وحي أوحى الله إلي ، فوالله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت لأهل التوراة بتوراتهم ، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ، حتى ينطق الله التوراة والإنجيل ، فيقول : صدق علي ، أفتاكم بما أنزل في ، وأنتم تتلون الكتاب ، أفلا تعقلون " . وكان يقول عليه السلام مشيرا إلى صدره الشريف : " كم من علوم ههنا لو وجدت لها حاملا " . وقال أيضا : " لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير سورة الفاتحة " . وإن أراد ابن تيمية أن غالب ما ظهر من علومه كان بالكوفة ، ففيه : إن غالب علمه كان بالمدينة لا بالكوفة ، فإن رجوع الشيوخ الثلاثة وغيرهم من الأصحاب إليه في المعضلات والمشكلات كان بالمدينة ، وأما في الكوفة فلم يتفرغ للتعليم والارشاد ، لاشتغاله عليه السلام فيها غالبا بما يتعلق بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . قال : " ومع هذا فأهل الكوفة قد تعلموا القرآن والسنة من قبل أن يتولى عثمان فضلا عن علي " . أقول : يريد ابن تيمية تعلم أهل الكوفة القرآن والسنة على عهد عمر بن الخطاب ، ولكن هذا توهم باطل وخيال فاسد ، وذلك لوجوه : الأول : إن الكوفة إنما اختطت للمسلمين في السنة السابعة عشرة ، وقد كان موت عمر بن الخطاب في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة ، فكيف تعلم أهل الكوفة القرآن والسنة - أو أكثرهما - في مدة ستة سنوات ، مع أن عمر بن